جان لوئيس بوركهارت

158

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

من الصخر وجدنا فيها فضلا عن العين خزانا لماء المطر . والماء عذب زلال ، ولكنه للأسف ليس غزيرا . على أي حال لم نجد نحن إلا النزر اليسير منه . وكان يحوم حول العين بعض الحمائم . وعين شقرة ذات صيت ذائع في هذه الصحراء كلها ، وكثيرا ما يضرب البشاريون خيامهم في الوديان القريبة منها ، ولأحد أوليائهم خرج بجانب العين ، ويقدم المسافرون العطايا والذبائح عند الضريح ، فإذا وجدوا بدوا ضاربين بقربه ابتاعوا منهم الخراف وذبحوها إكراما للولي . وقد عثر أحد جماعتنا خلف صخرة بقرب الضريح على صندوق فارغ جديد من صنع مصر ، ولعل تاجرا أودعه هذا المخبأ بعد أن عجز بعيره عن حمله مؤملا أن يأخذه معه في إيابه . وقد طالب الخبراء العبابدة بالصندوق زاعمين أنهم سادة الصحراء ، وأن كل ما يعثر عليه فيها فهو لهم . ونزلنا على نصف ميل من العين ، وكان هممنا أن نملأ قربنا أولا . وتلطف العبابدة فسمحوا للتجار المصريين بملء قربهم قبلهم ، ولكن المصريين استغلوا هذا اللطف فسقوا إبلهم أيضا ، فلما بارحوا البئر كان قد نضب الماء أو كاد ، فأعلن العبابدة أنهم مضطرون إلى البقاء حتى تمتلئ البئر ثانية ، وعلى ذلك بتنا الليل كله والعبابدة نيام على فم البئر ليحولوا دون سرقة الماء ليلا . وفي صباح 18 مارس ملأ العبابدة عشرين قربة ولكنهم لم يقنعوا بها ، فآثر التجار أن ينزلوا عن بعض قربهم بشرط الرحيل فورا عن أن يطيلوا المكث بالمكان ويروا مئونتهم من الماء تتناقص ساعة بعد ساعة . أما أنا فقد استطعت بعد لأي أن أملأ قربتين كبيرتين ، وكنت ما أزال محتفظا بصبابة من الماء في قربى ، فقدّرت أن نصيبي من الماء سيكون على الأقل مساويا لنصيب أي فرد في القافلة . بيد أن هذا الذي قدرت لم يتحقق ، فقد حملت إحدى القربتين على كتفي إلى مضربنا وتركت الأخرى بقرب البئر على أن أعود بالحمار لآخذها . فلما عدت ألفيتها فارغة ، فقد صبها رفاقى الدراويون في إحدى قربهم ، واعتذروا بأنهم فعلوا ذلك خطأ ولكنهم أبوا أن يملأوا قربتى من البئر ، والواقع أن ما تخلف الآن في البئر من الماء كان كدرا عكرا لا يصلح للشرب بسبب ما يكسو القاع من طبقات الطفل الأزرق . وقد عرضت عليهم ريالين ثمنا لقربة ملأى بالماء ، ولكنهم لم